تقرير: في الوقْتِ الذي كان فيه الجنرال بترايوس يتسلَّم مَهَام منصبه كقائد للقوات الأمريكية الغازية في أفغانستان، كانت حركةُ "طالبان" تعلنُ عن نفسِها مجددًا، وتوجه إليه رسالة استشهاديَّة بتدمير موقع لإحدى الخدمات العسكرية في كابول، في هجوم وُصف بأنه الأعنف من نوعه ضد القوات الغازية منذ احتلالها لكابول، قبل تسعة أعوام.

العملية بقدر ما كانتْ رسالة قوية ومباشرة للقائد الغازي الجديد، فهي تؤكد وتعزِّز من قوة حركة "طالبان" في عملياتِها، وثباتها على الأرض، للدرجة التي جعلت كثيرًا من المراقبين يذهبون إلى أن حكومة العميل حامد كرزاي إذا كانت تحكم كابول في النهار، فإن حركة "طالبان" تحكمها في المساء.
وحسب التقارير الواردة من أفغانستان، فإن مصادر بحلْف شمال الأطلسي تؤكد أن تقريرًا سلبيًّا حول سوء الأوضاع في أفغانستان كان السبب الحقيقي وراء إقالة الجنرال ستانلي ماكريستال، وليس تصريحاته لمجلة "رولينج ستون" التي سَخِر فيها من أعضاء بارزين في إدارة أوباما. والواقع الذي لم يلتفتْ إليه كثيرون، أو تعمَّدوا بمعنى آخر عدم الخوض فيه، هو الحقيقة الراسخة منذ قيام الولايات المتحدة وبموجب الدستور الذي حدَّد فيه واضعوه حدود العسكر عند حماية الدولة من الأعداء، وأنهم لا يجب أن يتخطوا هذه الحدود بالحديث عن الأشخاص أو مهاجمتهم، وهي الحدود التي تجاوزها ماكريستال، ولذلك كان لا بدَّ من إقصائه، وهو مصيرٌ حاسم لكل من يرتدون الزي العسكري ممن يظهر عليهم ميول بعينِها.
والواقع، فقد تعدَّدت قراءات هؤلاء بما في ذلك بعض القريبين لإدارة أوباما نفسها، فتارة يتحدثون عن عوامل الإقالة باعتبارها ردًّا رسميًّا على تجرؤ ماكريستال على انتقاد إدارة أوباما وقياداتها، وتذهب بعض الآراء إلى أن إقالة ماكريستال، وليس استقالته، جاءت لكونه كان محسوبًا على فلول متشددي إدارة بوش وتشيني، وأن وصولَه إلى هذا المنصب تَمَّ التمهيدُ له قبيل رحيل هذه الإدارة لضمان استمرار السياسات اليمينية على الأرض مع وصول إدارة ديمقراطية للحكم، فيما تحدَّث محلِّلُون عن "حِرْص إدارة أوباما على ضبط إيقاع التعاون السياسي مع المنظومة العسكرية الأمريكية".
إلا أن المؤكد حسب تحليلات سياسية وعسكرية أمريكية أخرى، أن العمليات العسكرية التي تشنُّها حركة "طالبان" على الأرض هي السبب المباشر والرئيس في إقالة ماكريستال، وأن الفترة المقبلة ستشهد تغييرًا استراتيجيًّا لمواجهة المقاومة في أفغانستان، إلا أن إدارة البيت الأبيض لا ترغب في الحديث عن ذلك، سوى بتأكيدها على أن تغيير ماكريستال هو تغييرٌ في الأشخاص، وليس تغييرًا في الاستراتيجية، وذلك لحفظ ماء الوجْه للغزاة في أفغانستان من ناحية، ولعدم إبراز تفوُّق "طالبان" في هجماتها ضد الغزاة من ناحية أخرى.
ويحرِصُ النظام السياسي الأمريكي على وضع المنظومة العسكرية -والتي تحتوي "البنتاجون"- بجميع أذرعها تحت إمرة وزير دفاع مدني، يقود ويترأَّس رؤساء الأفرع، أي القيادات العسكرية الجوية والبحرية والدفاعية والبريَّة، ولا يتساهل نفس النظام أبدًا مع أي شخص يبزُغ نجمُه، سواءٌ في وقت حرب أو وقت سلْم.
والواقع فإن الحياة العسكرية الأمريكية شهدت العديد من حالات الإقصاء والإقالة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية احتجاجًا على تصرُّف للشخص المعنِي يخالف قواعد العسكرية، أو يساعد على "هزّ" الثقة فيها، أو في إدارة البيت الأبيض.
ونذكرُ في هذا السياق إقالة الجنرال شوارسكوف الذي تولى القوات الأمريكية أثناء حرب العراق بعد غزوِها للكويت، ثم تولي كولن باول لاحقًا المهِمَّة، وهو الشخص الذي لم تتوفَّر له فرص سياسية أخرى إلا بعد خلعِه الزي العسكري، ولتاريخه في إطاعة السياسات التي وضعها الساسة المدنيُّون خلال خدمته العسكرية، ونلاحظ هنا أنه حتى بعد تعيينِه وزيرًا للخارجية لاحقًا ولخلافات مع جناح ديك تشيني (رئيسه السابق) ونائب الرئيس وقتَها، وهو الجناح الذي ضَمَّ أصحاب أيديولوجية يمينية ومتنفذين لدى لوبي بيع السلاح، سنجد أن الخلاف وصل إلى درجة خروج باول من المنصب بعد أن دفع دفعًا للتخلي عن منصِبِه بشكلٍ غير مباشر من لوبي اليمين داخل إدارة بوش.
أيضًا نلاحظ أسماء أخرى مثل الجنرال زيني، والأدميرال وليام فالون، والأخير دفع إلى الاستقالة عام 2008 بعد نشر تصريحات وتعليقات قالها عكست خلافَه مع الإدارة حول السياسات في العراق، وهو الخلاف الذي تبيَّن استمرارُه لأشهر طويلة ليس فقط مع ساسة إدارة بوش، بل أيضًا مع زملائه من العسكر.
وسنجدُ أيضًا حالة الجنرال روبرت شوليتزر الذي كان يمثِّل القيادة العسكرية في مجلس الأمن القومي الأمريكي في العام 1981 وتَمَّ طردُه من منصبه بواسطة مستشار مجلس الأمن القومي وقتها ريتشارد آلن، بعد أن قام شولتيزر بالإدلاء بتصريحات علنيَّة دون أخذ إذن من رئيسه، وهي التعليقات التي تحدَّث فيها عن تعرُّض الولايات المتحدة لخطر داهِم بسبب برنامج الاتحاد السوفيتي النووي.
وعودٌ على بدء، فإن السياسة الأمريكية في أفغانستان، سوف تستهدف في المستقبل وخلال رئاسة بترايوس للقوات الغازية على مطاردة تنظيم "القاعدة" وعناصر "طالبان"، والسعي إلى الراغبين في التفاوض، والتركيز على تفعيل عوامل مساعدة لاستقطاب الأفغان العاديين، ومنها الاهتمام بأعمال البنية التحتية والتنمية مع الضغط على الحكومة الأفغانية لتقليل الفَسَاد المستشري، وتقْوِيض دور لوردات الحرب، والإسراع بإنشاء منظومة أمن أفغانية قادِرة على التمدُّد في أنحاء أفغانستان، وليس فقط حول العاصمة.
وعلى الرغم مما يَرَاه البعض، فإن كل هذه الأشياء تبدو صعبةَ التحقُّق، والأصعب هو وفاء إدارة أوباما بتصريح الرئيس بأن الولايات المتحدة ليست لديها نية احتلال أفغانستان، فأوباما أشار في تصريحات لها مغزى بأن واشنطن ستكون بحاجة إلى تقديم المساعدة لأفغانستان لفترة طويلة قادمة، لا سيما أن أفغانستان ستحتاج لمساعدات لفترة طويلة، ذلك البلد الذي يعتبر ثالث أفقر دولة في العالم.
لذا فإن أوباما يعتزم أن يكون شريكًا طويل الأَمَد مع أفغانستان في العديد من الملفات على رأسها التنمية والاقتصاد، وبناء قوات شرطة فعَّالة، ونظام سياسي عادل، أي بعبارة أخرى فإن الولايات المتحدة باقية في أفغانستان لأجل غير مسمًّى.
ولذا فإن السؤال الذي يستحِقُّ الطرحَ الآن سيكون عن سبب تمسُّك الولايات المتحدة بالبقاء في أفغانستان لأَجَل غير محدد باستخدام مبرِّر محاربة "القاعدة وطالبان"، وهو مبرِّر مقبول دوليًّا، على الأقل الآن من قِبل الدول الكبرى التي -ولا شك- مثلها مثل الولايات المتحدة، استشعرتْ أهمية ذلك البلد الذي أعلن مؤخرًا امتلاكَه لثروات معدنية عظيمة وهائلة، لا سيما في المعادن النادِرة التي تعتمد وسيعتمد عليها العالم في إنتاج أهم صناعات العصر، وهي الصناعات الإلكترونيَّة.
ولا عَجَب إذن أن تحسمَ واشنطن الأمر، وبأنها واقع مهيمن لا محالة، وذلك فيما بين سطور إعلانها مؤخرًا عن اكتشاف المتخصِّصِين الأمريكيين لثروات معدنية في أفغانستان تتجاوز قيمتُها المبدئيَّة تريليونًا من الدولارات، وهي المعادن التي يتصدَّرُها الليثيوم، المعدن الضروري في صناعات بطاريات الأجهزة الإلكترونية، وكذلك الذهب والكوبالت والنحاس.
وكأن واشنطن بهذا الإعلان تعلن للعالم "ابْقَوْا بعيدًا" وتحذِّر حتى الكبار من الاقتراب من ثروات يسيل لها اللعاب، وهو التحذير الذي أجاب أيضًا –وبصراحة- على علامات الاستفهام الكثيرة حول أسباب دفع الولايات المتحدة بجيوش من الخبراء إلى مختلف مناطق أفغانستان منذ احتلالها، بحثًا عن تلك الثروات والمعروف مسبقًا وجود بعضها هناك عبر أقمار اصطناعية تجسُّسِية!
بقلم: عمرو محمد
المصدر: البشير