رمز الخبر: ۶۶۴۰
تاريخ النشر: 19 July 2010 - 19:50
print طباعة الصفحة
send إرسال لصديق
العرب.. وتطرف الصهاينة
تحليل: بشكل ثابت تدلل استطلاعات الرأي العام التي تجرى في إسرائيل على أن المجتمع الإسرائيلي يتجه بقوة عن التطرف السياسي، ويتبنى مواقف متشددة من الصراع مع العرب.
بالنسبة للمحسوبين على معسكر "الاعتلال" فإن هذا الواقع يتطلب أن يكثف العرب من توجهاتهم الحمائمية تجاه إسرائيل لإقناع المجتمع الإسرائيلي بأن هناك شريكًا له في التسوية السياسية للصراع. فهل يتأثر تطرف الإسرائيليين بالتسوية والصراع مع العرب، أم أن هناك أسبابًا اجتماعية واقتصادية أكثر عمقًا تؤثر على توجهات الصهاينة.
لقد أدت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعرضت لها إسرائيل منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي وتواصلت بدرجات متفاوتة حتى الآن، - علاوة على انتهاج الخصخصة والانتقال لاقتصاديات السوق التي تبنتها حكومات الليكود - إلى المس بسياسة الرفاه الاجتماعي التي طبقتها إسرائيل وحرصت من خلالها على مساعدة الطبقات الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي، وأصبحت هذه المساعدات بحد ذاتها قوة جذب لليهود الذين يقطنون في مناطق تعاني من أزمات اقتصادية في أرجاء العالم. فقد حرصت إسرائيل على منح الطبقات الفقيرة الكثير من مخصصات الضمان الاجتماعي، مثل مخصصات البطالة والأولاد والشيخوخة والتقاعد، وغيرها من مخصصات. ومنذ أواسط الثمانينيات وحتى الآن تم بشكل متدرج تقليص هذه المخصصات في إطار سياسات التقشف التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية لتجاوز الأزمات الاقتصادية، لكن هذه التقليصات تزامنت مع حرص الحكومات الإسرائيلية وتحديدًا حكومات اليمين على مد المستوطنات اليهودية المقامة في الضفة الغربية والقدس بالكثير من المزايا الاقتصادية، فتم منح المستوطنين تسهيلات كبيرة في مجال السكن والتعليم والصحة، علاوة على الاستثمار في مجال البنى التحتية؛ فأصبحت المستوطنات تمثل " جنة عدن " بالنسبة للفقراء والمعوزين من الإسرائيليين، وهذا ما يفسر زيادة عدد الإسرائيليين الذين ينتقلون للعيش أو العمل في هذه المستوطنات. ومما لا شك فيه أن الذين ينتقلون للإقامة في المستوطنات بحثًا عن ظروف حياة اقتصادية أفضل سيتبنون بشكل تلقائي وجهة النظر اليمينية التي ترفض الانسحاب من الضفة الغربية والقدس وتفكيك المستوطنات، وهؤلاء لن يزيدوا فقط من القوة الانتخابية لليمين الديني والعلماني، بل إنهم يصبحون أكثر تصميمًا في جهودهم لإحباط أي تسوية سياسية للصراع يمكن أن تهدد الإنجازات التي حققوها على صعيد تحسين ظروف الحياة.
من هنا نجد أن أكثر الفئات التي تركت إسرائيل وانتقلت للعيش في المستوطنات هي التي تقطن ما يعرف بـ "مدن التطوير"، المقامة في الأطراف الشمالية والجنوبية من إسرائيل، حيث إن هذه المدن هي الأكثر فقرًا في إسرائيل، وسكانها معظمهم من الشرقيين. . وإن كانت الجماعات الدينية المتزمتة من أتباع التيار الحريدي ظلت حتى أواخر التسعينات لا تبدي حماسًا شديدًا للانتقال للعيش في مستوطنات الضفة، بخلاف أتباع التيار الديني الصهيوني، فإنه منذ مطلع القرن الحالي بدا واضحًا أن المزيد من أتباع التيار الديني الحريدي يبدون حماسًا غير مسبوق للانتقال للعيش في المستوطنات. من هنا فليس من المستغرب أن تكون أربعة من أصل ست مستوطنات تحولت إلى مدن في الضفة الغربية هي مستوطنات يقطنها المتدينون الحريديم، وهي: عموانئيل، كريات سيفر، معاليم إفرايم، وبيتار عليت.
ومما لا شك فيه أن هذا الواقع ألغى عمليًا الحدود الفاصلة بين الضفة الغربية وإسرائيل في نظر الكثير من القطاعات السكانية في إسرائيل وتحديدًا الفئات الضعيفة. ومما فاقم من التوجهات نحو اليمين في أوساط الفقراء والمعوزين هو عدم وجود يسار حقيقي يتبنى القضايا الاجتماعية. فبخلاف جميع دول العالم، فإن مصطلحي "اليسار" و "اليمين" يتعلقان بشكل خاص بالموقع من الصراع مع العرب، ولا علاقة لهما بالقضايا الاجتماعية، على اعتبار أن المخاطر الأمنية التي تتعرض لها إسرائيل قلصت من فرص ظهور حركات احتجاج على خلفية اجتماعية، لذا فإننا نجد أن جميع الحركات الاجتماعية التي انطلقت من أوساط الشرقيين احتجاجًا على الغبن واللامساواة في توزيع الموارد قد فشلت، حيث نظر إلى قادة هذه الحركات في إسرائيل على أنهم "طابور خامس" يريد إلهاء إسرائيل في الوقت الذي تتعرض فيه لمخاطر وجودية.
ومما لا شك فيه أن الذي ساعد على ثبات هذا الميل لدى قطاعات متزايدة من الإسرائيليين هو تحسن الظروف الأمنية في الضفة الغربية بسبب التعاون الأمني غير المسبوق بين أجهزة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس وسلام فياض وأجهزة الأمن الإسرائيلية، وهو ما بات يقر به حتى أكثر فئات المستوطنين تطرفًا. ففي المؤتمر الذي نظمه "مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات" وشارك فيه سلام فياض إلى جانب وزير الحرب الإسرائيلي إيهود براك، فاجأ الأخير الحضور عندما قال: إن قادة المستوطنين باتوا يقرون بدور أجهزة حكومة فياض في تحسين البيئة الأمنية في المستوطنات ومحيطها. من هنا ليس من المستهجن أن يطلب الجيش الإسرائيلي مؤخرًا أن تقوم أجهزة فياض الأمنية بتسيير دوريات في محيط مستوطنات الضفة الغربية لتقليص فرص قيام المقاومة الفلسطينية باستهدافها. لذا فعندما تجتمع الظروف الاقتصادية الجيدة والبيئة الأمنية المناسبة فإن هذا يدلل بالنسبة لكثير من الإسرائيليين على صدقية الخطاب الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي، لاسيما وإن تعاون سلطة رام الله الأمني مع سلطات الاحتلال يأتي في ظل تنكر حكومة نتنياهو لأدنى متطلبات التسوية السياسية. ومن الواضح أن بقاء الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية على حالها ومواصلة السلطة تعاونها الأمني مع إسرائيل لن يقنع فقط اليهود الذين انتقلوا للعيش في المستوطنات بأن قرارهم كان صائبًا، بل إنه سيقنع المزيد من القطاعات السكانية في إسرائيل بالانتقال للعيش هناك للاستفادة من ظروف الحياة الجيدة.
لقد ضمن بقاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وحالة الحرب المتواصلة ازدهار الصناعات العسكرية الإسرائيلية التي تشغل عشرات الآلاف من الفنيين والخبراء والموظفين، فمتطلبات الأمن الناجمة عن بقاء الاحتلال وحالة الحرب أدت إلى دفع مجمعات الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى التوسع في الإنتاج العسكري والأمني وتطويره كمًّا ونوعًا، مع كل ما يرتبط بذلك من توظيف طاقات بشرية كبيرة، فمئات الآلاف من الإسرائيليين يدينون للاحتلال في حصولهم على عمل في ظروف ممتازة، فحوالي 100 ألف إسرائيلي يعملون في الصناعات العسكرية، ويختار عشرات الآلاف من الإسرائيليين مواصلة الخدمة النظامية في الجيش والأجهزة الاستخبارية والحصول على رواتب مغرية، وحتى عندما يتقاعد هؤلاء فإن نوافذ الفرص تفتح أمامهم، حيث يتنافس القطاع الخاص على استقطابهم. من هنا فإن التوصل لتسوية سياسية للصراع سيؤثر تأثيرًا سلبيًا على الواقع المهني لهؤلاء وأسرهم.
ما تقدم يدلل على أن هناك ماكينزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية وديموغرافية تدفع الإسرائيليين نحو التطرف واليمين وأن الأمر غير متعلق بالمرونة التي يبديها المفاوض الفلسطيني والعرب؛ وهذا يفضح ضحالة وهشاشة الحجة التي يتمسك بها معسكر "الاعتلال" العربي ونخبه والقائلة إنه يتوجب مساعدة "معسكر السلام" الإسرائيلي عبر مزيد من الانفتاح والتطبيع وإبداء المرونة السياسية. تطرف الإسرائيليين يا هؤلاء عملية أكثر عمقًا وأشد تعقيدًا، بحيث إن مظاهر العجز التي يستحثها "المعتلون" العرب لن تزيد الصهاينة إلا تعصبًا وجنونًا.
بقلم: صالح النعامي
المصدر: البشير
* الاسم:
البرید الإلکتروني:
* الاقتراحات: